الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

60

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والرجل ، إذ التفرقة بينهما لا وجه لبقائها ، إذ كلاهما قد خرق حكما شرعيا تبعا لشهوة نفسية أو طاعة لغيره . ثم إنّ الجلد المعيّن شرع بآية سورة النور مطلقا أو عامّا على الاختلاف في محمل التعريف في قوله : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي [ النور : 2 ] ؛ فإن كان قد وقع العمل به كذلك في الزناة والزواني : محصنين أو أبكارا ، فقد نسخه الرجم في خصوص المحصنين منهم ، وهو ثابت بالعمل المتواتر ، وإن كان الجلد لم يعمل به إلّا في البكرين فقد قيّد أو خصّص بغير المحصنين ، إذ جعل حكمهما الرجم . والعلماء متّفقون على أنّ حكم المحصنين من الرجال والنساء الرجم . والمحصن هو من تزوّج بعقد شرعي صحيح ووقع البناء بعد ذلك العقد بناء صحيحا . وحكم الرجم ثبت من قبل الإسلام في شريعة التوراة للمرأة إذا زنت وهي ذات زوج ، فقد أخرج مالك ، في « الموطأ » ، ورجال الصحيح كلّهم ، حديث عبد اللّه بن عمر : أنّ اليهود جاءوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكروا له أنّ رجلا وامرأة زنيا ، فقال رسول اللّه « ما تجدون في التوراة في شأن الرجم » فقالوا « نفضحهم ويجلدون » فقال عبد اللّه بن سلام « كذبتم إنّ فيها الرجم » فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد اللّه بن سلام « ارفع يدك » فرفع يده فإذا فيها آية الرجم . فقالوا : « صدق يا محمد فيها آية الرجم » فأمر بهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرجما وقد ذكر حكم الزنا في سفر التثنية ( 22 ) فقال « إذا وجد رجل مضطجعا مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان ، وإذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة فاضطجع معها فوجدا ، يعطي الرجل الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين من الفضّة وتكون هي له زوجة ولا يقدر أن يطلّقها كلّ ايّامه » . وقد ثبت الرجم في الإسلام بما رواه عبادة بن الصامت أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « خذوا عني خذوا عني . قد جعل اللّه لهنّ سبيلا ، البكر بالبكر ضرب مائة وتغريب عام ، والثيّب بالثيّب جلد مائة والرجم » . ومقتضاه الجمع بين الرجم والجلد ، ولا أحسبه إلّا توهّما من الراوي عن عبادة أو اشتبه عليه ، وأحسب أنّه لذلك لم يعمل به العلماء فلا يجمع بين الجلد والرجم . ونسب ابن العربي إلى أحمد بن حنبل الجمع بين الرجم والجلد . وهو خلاف المعروف من مذهبه . وعن علي بن أبي طالب أنه جمع بين الجلد والرجم . ولم يصحّ . ثم ثبت من فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم في القضاء بالرجم ثلاثة أحاديث : أوّلها قضيّة ماعز بن مالك الأسلمي ، أنّه جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاعترف بالزنا فأعرض عنه ثلاث مرّات ثم بعث